المقصود بالمقومات الأساسية للمجتمع هي الركائز
الأساسية التي يستند إليها أي مجتمع في وجوده وفي مسيرة
حياته ، تلك الركائز بالطبع تلقائية فطرية تتولد عن
إحساسات الناس وتطلعاتهم وطموحاتهم ، كما تستمد من الأعراف
والتقاليد وقيم الدين والتراث والتاريخ الذي يجمعهم ويوحد
صفوفهم ويشد من أواصر الإخاء والترابط فيما بينهم ،
فالناس حين يجمعهم وطن ، ويستظلون بسلطة تحكمهم ، تتولد
لديهم عندئذ تلك الركائز والمقومات الأساسية لمجتمعهم ،
والتي تتمثل في إقامة العدالة والتمتع بالحرية والمساواة
وتحقيق الأمن وتكافؤ الفرص بين المواطنين دون تفرقة أو
تمييز ، ورعاية الأسرة والمحافظة على كيانها من التصدع
والانحلال
كما لابد أن يكون لذلك المجتمع صورة من صور تنظيم
الملكية ، ورأس المال وتحقيق العدالة الاجتماعية بما
يستتبعه من تنظيم الحقوق الملائمة والعادلة بين العمال
وأصحاب الأعمال وعلاقة ملاك العقارات بمستأجريها
وهذا ما نراه في الباب الثاني من الدستور المعنون
بالمقومات الأساسية للمجتمع الكويتي ، ويشمل هذا الباب
المواد من (7) حتى (26) وكلها تشير إلى ما سبق أن ذكرناه
بالتأكيد على معاني الحرية والعدالة والمساواة وتكافؤ
الفرص بين المواطنين في التعليم وفي الوظائف العامة وفي
الرعاية الاجتماعية بمختلف أصنافها السكنية والطبية
والتعليمية ، والعناية بالطفولة والنشء ورعاية الأسرة
والمحافظة عليها والتزام الدولة بتوفير خدمات التأمين
الاجتماعي والمعونة الاجتماعية ورعاية المسنين والمساعدات
اللازمة للمواطنين في حالات الشيخوخة والمرض والعجز عن
العمل ورعاية العلوم والآداب والفنون وصيانة الثروات
الطبيعية للبلاد والمحافظة عليها وحسن استغلالها وتعويض
المصابين من المواطنين في حالات الكوارث والمحن العامة
ويحسن بنا بعد هذه الإلمامة العامة بما تضمنه
الباب الثاني من المواد (7) حتى (26) التي عالجت كلها
المقومات الأساسية للمجتمع الكويتي ، أن نقف أمام بعض هذه
المواد لنرى كيف صاغ أحكامها الدستور ، وربما استخلصنا
منها بعض السمات المميزة الخاصة بطبيعة وأعراف وتقاليد
المجتمع الكويتي
ونبدأ بأولى هذه المواد وهي المادة (7) من الباب الثاني
ونصها كآلاتي :
فالمشرع هنا لم يكتف بتقرير إقامة العدالة والحرية
والمساواة كدعامات للمجتمع بل أضاف ما يجب ألا ينسينا ما
بيننا من صلة التعاون والتراحم التي تقتضي الرفق والسماحة
والتواد بين المواطنين الذين انطبعت حياتهم على التواصل
فيما بينهم وارتباطهم بروح الأسرة الواحدة التي ربطت
الأواصر بين أفرادها وجعلت أي واحد منهم لصيقا بالآخر لا
يشعر بأنه غريب أو بعيد منه ، وذلك بحكم النشأة الواحدة
وتعارفهم مع بعضهم البعض بحيث يكاد يعرف الواحد منهم بطائن
ودخائل الفرد الآخر ، وظلوا على ما هم عليه كما كان
أجدادهم وآباؤهم مع بعضهم البعض وذلك على الرغم من تبدل
الظروف والأحوال من حولهم وما استجد من أحداث على حياتهم
فآصرة الإخاء والتراحم ما زالت قوية بينهم ، وهذا ما حاول
المشرع الدستوري أن يؤكده بقوله : والتعاون والتراحم صلة
وثقى بين المواطنين
بعد هذا لننظر في مضمون المادة (9) ونصها :
الأسرة أساس المجتمع ، قوامها الدين والأخلاق وحب
الوطن ، يحفظ القانون كيانها ، ويقوي أواصرها ، ويحمي في
ظلها الأمومة والطفولة
فالأسرة - بالطبع - هي أساس أي مجتمع ، ويصون
القانون شرعيتها ويحفظ كيانها المستمد من أحكام الدين
الحنيف والقائم على أسس الخلق القويم بالبر بالوالدين
وطاعتهما والتشرب بحب الوطن والإخلاص والولاء له ، ويشير
الدستور في مذكرته التفسيرية إلى أن إيراد عبارة ( في ظلها
) المقصود منه هو أن تنشأ الأسرة وتكون الطفولة في ظل
روابط الأسرة الشرعية ، فالأصل في الطفولة هو شرعيتها
دون أن يعني ذلك عدم رعاية الأطفال الطبيعيين ( أي غير
الشرعيين ) فالدين يدعو إلى الرفق بهؤلاء الأطفال لأنهم
ضحية جريمة غيرهم فهم لذلك أولى بالرعاية والإحسان إليهم
كما يحسن بنا أن ننظر إلى ما قرره الدستور في
مادته السادسة عشرة بشأن تنظيمه للملكية ورأس المال ، فنص
هذه المادة (16) كآلاتي :
الملكية ورأس المال والعمل مقومات أساسية لكيان
الدولة الاجتماعي وللثروة الوطنية وهي جميعا حقوق فردية
ذات وظيفة اجتماعية ينظمها القانون
فالمشرع يعدد ثلاثة عوامل أو مقومات لكيان الدولة
الاجتماعي وللثروة الوطنية أولها: الملكية أي حق الفرد في
التملك لأي شيء قابل للتملك من مال أو عقار أو أي شيء آخر
، وثاني هذه المقومات هو : ( رأس المال ) أي الحق في تراكم
الملكية وجمعها وادخارها وتنميتها واستثمارها في صورة رأس
مال ، وثالث المقومات هو : العمل الذي جاء مقابلا للملكية
المتراكمة ليحد من غلواء رأس المال في المجتمع أو تطرفه
وتسلطه
إلى جانب هذه المقومات الأساسية لكيان الدولة
الاجتماعي ولثروتها الوطنية فإن المشرع نص على أن هذه
الحقوق فردية ولها وظيفة اجتماعية ينبغي أن نراعيها في
صالح المجموع إلى جانب صالح المالك
وبهذا يكون المشرع الكويتي قد أحدث التوازن
المطلوب في المجتمع من حيث الأخذ بنظام رأس المال المعتدل
الذي عليه أن يرعى صالح المجموع ويحارب الاستغلال والتطرف
اللذين قد نلحظهما في بعض الدول الرأسمالية
ولعل هذه السمة سمة " الاعتدال " أو سمة "
الوسطية " وعدم الغلو أو المغالاة والتطرف إلى يمين أو
يسار هي أبرز ما يشيع في نصوص الدستور ومعالجته لكل
القضايا والأمور الهامة الأساسية في حياة المجتمع الكويتي
وإلى جانب هذا المثل الذي أوردناه بشأن الملكية
واختيار الوسطية بين مختلف التيارات الاجتماعية
والاقتصادية التي تقسم العالم المعاصر إلى رأسمالية مطلقة
واشتراكية متطرفة ، إلى جانب هذا المثل يمكننا أن نورد
مثالا آخر على ( وسطية ) الدستور الكويتي، ذلك ما أشارت
إليه المذكرة الدستورية حيث اقتضى الحرص على وحدة الوطن
واستقرار الحكم أن يتلمس الدستور في النظام الديمقراطي
الذي تبناه ، طريقا وسطا بين النظامين البرلماني والرئاسي
مع انعطاف أكبر نحو أولهما لما هو مقرر أصلا من أن النظام
الرئاسي إنما يكون في الجمهوريات ، وأن مناط قيامه كون
رئيس الدولة منتخبا من الشعب لبضع سنوات ومسؤولا أمامه بل
وأمام ممثليه على نحو خاص
وحسبما أشرنا من أن سمة الاعتدال والوسطية مبثوثة
وشائعة بين نصوص وأحكام الدستور دون أن تخطئها العين فان
مفهوم ( العدالة الاجتماعية ) قد أكد عليه المشرع الدستوري
في أكثر من مادة من مواده في الباب الثاني الخاص بالمقومات
الأساسية للمجتمع الكويتي ، والمقصود بمفهوم العدالة
الاجتماعية بالطبع هو إيجاد التوازن بين مختلف الأطراف
الإنتاجية في المجتمع والانتصاف لأي جانب تجاه الطرف الآخر
وحماية الجانب الضعيف مثلا في المجتمع بصورة عامة
والحيلولة دون استغلاله والجور عليه وإهماله وعدم الالتفات
إليه ، وهذا ما نلحظه مثلا في المواد (20) ، و (22) ، و
(24) من الدستور الكويتي
فالمادة (20) تقرر : الاقتصاد الوطني أساسه
العدالة الاجتماعية وقوامه التعاون العادل بين النشاط
العام والنشاط الخاص ، وهدفه تحقيق التنمية الاقتصادية ،
وزيادة الإنتاج ورفع مستوى المعيشة وتحقيق الرخاء
للمواطنين ، وذلك كله في حدود القانون
فهذه المادة تؤكد على أن مراعاة العدالة
الاجتماعية هو أساس الاقتصاد الوطني وأ نه لا بد من ضرورة
التعاون بين النشاطين الخاص والعام وذلك بهدف تحقيق ا
لتنمية الاقتصادية وزيادة الإنتاج ورفع مستوى المعيشة
وتحقيق الرخاء للمواطنين
ومن الملاحظ أن هذه المادة وصفت هذا التعاون بأنه
التعاون ( العادل ) الذي لا يجور معه طرف على طرف ما أمكن
ذلك طبقا لمقتضيات الظروف والأحوال
أما المادة (22) فتنص على مراعاة قواعد العدالة
الاجتماعية في تنظيم العلاقة بين العمال وأصحاب العمل
وكذلك علاقة ملاك العقارات بمستأجريها
أي أنه لا بد من إحداث التوازن وضبطه بين مختلف
أطراف هذه العلاقات في المجتمع وحماية أي طرف من جور أو
اعتداء أو انتقاص لحق أي طرف من الطرف الآخر
أما المادة (24) فقد قررت مبدأ فرض الضرائب
والتكاليف العامة في المجتمع ، ولكن بشرط مراعاة ميزان
العدالة الاجتماعية حتى لا يشعر فرد أو طرف أنه يتحمل
أعباء مفروضة من الدولة عليه أكثر من غيره ينوء كاهله
بتحملها ولا يقوى عليها أو يشعر بالغبن بالنسبة لغيره من
المواطنين